شيخ محمد قوام الوشنوي
68
حياة النبي ( ص ) وسيرته
لعلّي أبكي على أبي حكيمة - يعني زمعة - فانّ جوفي قد احترق ؟ قال : فلمّا رجع إليه الغلام قال : انّما امرأة تبكي على بعير لها أضلّته . وقال الواقدي « 1 » : ولمّا رجعت قريش إلى مكة قام فيهم أبو سفيان بن حرب فقال : يا معشر قريش لا تبكوا على قتلاكم ولا تنوح عليهم نائحة ولا يبكيهم شاعر ، وأظهروا الجلد والعزاء ، فانّكم إذا نحتم عليهم وبكيتموهم بالشعر أذهب ذلك غيظكم ذلك عن عداوة محمد وأصحابه ، مع انّه إن بلغ محمدا وأصحابه شمتوا بكم ، فيكون أعظم المصيبتين شماتتهم ولعلّكم تدركون ثاركم ، فالدهن والنساء عليّ حرام حتّى أغزو محمدا . فمكثت قريش شهرا لا يبكهم شاعر ولا تنوح نائحة ، فلمّا قدم بالأسرى أذلّ اللّه بذلك رقاب المشركين والمنافقين واليهود ، ولم يبق بالمدينة يهودي ولا منافق إلّا خضع عنقه لوقعة بدر ، فقال عبد اللّه بن نبتل : ليت أنّا كنا خرجنا معه حتّى نصيب معه غنيمة ، وفرّق اللّه في صبحها بين الكفر والإيمان ، وقالت يهود فيما بينها : هو الذي نجده منعوتا ، واللّه لا ترفع له رايته بعد اليوم إلّا ظهرت . وقال كعب بن الأشرف : بطن الأرض اليوم خير من ظهرها ، هؤلاء أشراف الناس وساداتهم وملوك العرب وأهل الحرم والأمن قد أصيبوا . إلى أن قال : فناحت قريش على قتلاها شهرا ، ولم يبق دار بمكة إلّا فيها نوح ، وجزّ النساء شعر الرؤوس ، وكان يؤتى براحلة الرجل منهم أو بفرسه فتوقف بين أظهرهم فينوحون حولها ، وخرجن إلى السكك فسترن الستور في الأزقة وقطعن الطرق فخرجن إليها ينحن . ثم قال : ومشى نساء قريش إلى هند بنت عتبة فقلن : ألا تبكين على أبيك وأخيك وعمّك وأهل بيتك ؟ فقالت : حلفي أنا أبكيهم فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بنا ونساء بني الخزرج ، لا واللّه حتّى أثار محمدا وأصحابه ، والدهن عليّ حرام أن أدخل رأسي حتّى نغزو محمدا ، واللّه لو أعلم انّ الحزن يذهب من قلبي بكيت ، ولكني لا يذهبه إلّا أن أرى ثأري بعيني من قتل الأحبّة . فمكثت على حالها لا تقرب الدهن ، وما قربت فراش أبي سفيان من يوم حلفت حتّى
--> ( 1 ) المغازي 1 / 125 .